الشيخ محمد رشيد رضا

91

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كماله . وهو سبحانه لم يخبرنا بأبدية العذاب وانه لا نهاية له . وغاية الأمر على هذا التقدير أن يكون من الجائزات الممكنات الموقوف حكمها على خبر الصادق ، فان سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام ، وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضا ، وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه ما يقتضيه الوجه السادس عشر - أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم برحمته ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وارسل إليهم الرسل برحمته وأسباب النقمة والعذاب متأخرة عن أسباب الرحمة طارئة عليها فرحمته سبقت غضبه فيهم وخلقهم على خلقة تكون رحمته إليهم أب من غضبه وعقوبته ، ولهذا ترى أطفال الكفار قد ألقى عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم ، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم فكانت هي السابقة إليهم ، ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم . وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل اثرها بالكلية وإن عارضها اثر الغضب والسخط فذلك لسبب منهم . وأما اثر الرحمة فسببه منه سبحانه ، فما منه يقتضى رحمتهم ، وما منهم يقتضي عقوبتهم ، والذي منه سابق وغالب . وإذا كانت رحمته تغلب غضبه فلأن يغلب اثر الرحمة اثر الغضب أولى وأحرى الوجه السابع عشر - أنه سبحانه يخبر عن العذاب انه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم عظيم * وعذاب يوم أليم * ولا يخبر عن النعيم انه نعيم يوم ولا في موضع واحد . وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم واللّه سبحانه جعل العذاب على ما كان من الدنيا وأسبابها وما أريد به الدنيا ولم يرد به اللّه فالعذاب على ذلك ، وأما ما كان للآخرة وأريد به وجه اللّه فلا عذاب عليه ، والدنيا قد جعل لها أجل تنتهي اليه فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به وأما ما أريد به وجه اللّه والدار الآخرة فقد أريد به ما لا يفنى ولا يزول فيدوم بدوام المراد به فان الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول لم يزل ما تعلق بها بخلاف الغاية المضمحلة الفانية فما أريد به غير اللّه يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه ، وما أريد به وجه اللّه يبقى ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير اللّه من الاعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم